تؤكد الوثائق أن المسرح الأردني الحديث، سجل أول ظهور موثق عام 1918م، في مدينة مادبا عندما قدم أول عرض مسرحي على مسرح دير اللاتين من خلال العلامة روكس بن زائد العزيزي، والأب أنطوان الحيحي كانت تلك هي إرهاصات البداية التي لم يتوقف بعدها المسرح المحلي، حيث مهدت الطريق لظهور جيل من الرواد الذين أسسوا الحركة المسرحية الأردنية مسلحين بالدراسة، والموهبة والخبرة الميدانية، فكان هاني صنوبر رائد الرواد في هذا المجال. ولد هاني صنوبر في مدينة يافا عرس الساحل الفلسطيني، كما يذكر ذلك هشام عودة، لكنه ينتسب إلى عائلة نابلسية معروفة، ولا شك أنه أفاد في بناء مخيلته المبدعة من فضاء المدينتين، يافا ونابلس، وكانت ولادته عام 1934م، في مرحلة الأحداث المؤثر والمتلاحقة في البلاد العربية، وبعد المرحلة الثانوية توجه إلى مدينة دمشق للدراسة وكانت دمشق في تلك المرحلة قبلة
للشباب العربي، كما هي القاهرة وبيروت، وكانت له بصماته الواضحة على الحركة المسرحية السورية، فهو من مؤسسي المسرح السوري الحديث، عمل مشرفاً على المسرح الجامعي في جامعة دمشق، وكان مخرجاً له
أيضاً، وقد أسس مع عدد من الفنانين السوريين المسرح القومي السوري، عام 1959/1960م، وبقي يعمل في هذا المسرح معداً ومخرجاً لعدد من المسرحيات الناجحة حتى العام 1963م، وعمل أيضاً في الفترة نفسها مستشاراً لوزير الثقافة في دمشق.
- تمكن هاني الصنوبر من الحصول على درجة الماجستير، قبل هذه المرحلة، حيث درس في كلية الفنون في مدينة شيكاغو الأمريكية بين عامي 1957 1959م، يعد من الرواد في مجال الدراسات العليا في المسرح، فلفت الانتباه في جهوده المسرحية، ومكانته العلمية في مجال يعد محدود الانتشار في تلك الفترة وقد قرر ترك دمشق ليكون له دور بارز في الحياة الفنية / المسرحية في الأردن، فتم تعيينه عام 1963م رئيساً لقسم الإذاعة المدرسية في وزارة التربية والتعليم، وكانت له بصمته في تأسيس الإذاعة المدرسية وكذلك التلفزيون التربوي بعد ذلك، ولم تكن وزارة الثقافة قد أسست، لذا عندما تم تأسيس وزارة الإعلام عام 1965م، نقل هاني صنوبر إليها، ومنذ وصوله إلى عمان عمل على إخراج عدد من الأعمال الدرامية للإذاعة الأردنية، خاصة خلال عقد السينيات من القرن الماضي، وقد أفاد من تجربته في المسرح
- القومي السوري، فعمل على تأسيس فرقة المسرح الأردني التي كانت تتبع لوزارة الإعلام، وذلك في منتصف ستينيات القرن المنصرم، وقد أسهم في وضع المخطط الإداري والفني، الذي اعتمد في تأسيس دائرة الثقافة والفنون، وهي التي أصبحت نواة وزارة الثقافة الحالة، وكانت تنهض بالعبء الثقافي في مختلف فروعه ،وتعد إحدى دوائر وزارة الإعلام، ونظراً لجهوده المميزة أسندت إليه مهام منصب مساعد مدير عام هذه الدائرة، وقد أولى المسرح جل عنايته، فكانت فرقة المسرح الأردني، خطوة متقدمة أسهمت بالنهوض بهذا الفن العريق، وتقديم مواهب جديدة للساحة الفنية المحلية والعربية
- خطوة متقدمة أسهمت بالنهوض بهذا الفن العريق وتقديم مواهب جديدة للساحة الفنية المحلية والعربية. رغب الفنان هاني صنوبر العمل في مسرح الجامعات لأهميته في الكشف عن المواهب ورعايتها، وقد تمكن من تحقيق ذلك عام 1970م، فأصبح مشرفاً على المسرح الجامعي في الجامعة الأردنية، وكان له تأثير على جيل من الفنانين الشباب الذين احترفوا الفن الدرامي فيما بعد، وقامت على أكتافهم النهضة التي شهدتها الدراما الأردنية في ثمانينيات القرن العشرين
- وفي العام 1973م، أعير إلى دولة قطر، حيث عمل مساعداً لمدير عام إذاعة قطر، وقد بذل جهداً مميزاً في
- سبيل تأسيس فرقة مسرح قطر، فكان يشرف على الفرقة، ويعمل في الإذاعة والتلفزيون بالتزامن، وقد عرف بالنشاط والتفاني، والإخلاص للمسرح العربي أينما وجد، فلقد تميز بحس قومي صادق، وينظر للدول العربية باعتبارها وطن واحد كبير، لذا عمل على تأسيس عدد من الفرق المسرحية في الدول العربية المستقلة حديثاً، مما مكنه من ترك بصمته الخاصة على المسارح العربي،وعلى مسرحيين أصبح لهم شأن كبير على الساحة الفنية العربية
- عاد إلى عمان عام 1979م، ليتسلم مهام منصب جديد جعله عاملاً حاسماً في خدمة فن الدراما الأردنية حتى وصلت إلى ما سمي بالعصر الذهبي في عقد الثمانينات الماضي، عندما أصبح مدير عام الشركة الثلاثية للإنتاج التلفزيوني والإذاعي والمسرحي، حيث كان لهذه الشركة دوراً كبيراً في إنتاج وتسويق الأعمال الدرامية الأردنية، التي شارك فيها الفنان العربي إلى جانب الفنان الأردني، فوصل المسلسل المحلي إلى أرجاء الوطن العربي كافة، بعد ذلك أي في العام 1983م، عين هاني صنوبر مساعداً لمدير عام المركز الثقافي الملكي
- وأصبح فيما بعد مديراً عاماً له، وقد أفسح المجال أمام العروض المسرحية المحلية، بتقديم عروضها على مسارح المركز الحديثة، وكان له دور في التطور التقني
- الذي انعكس ايجابياً على العروض المقدمة، وأسهم في زيادة عدد المتابعين للمسرح الجاد والملتزم
- عمل خلال الفترة من العام 1989 – 1994م، مديراً فنياً لمهرجان جرش للثقافة والفنون، وقد شهد المهرجان
- خلال هذه المرحلة انطلاقة عربية وعالمية لافتة جعلت منه قبلة الفنانين الكبار، وقدمت على مسارحه عروض
- من مختلف الفنون، وقد ترك العمل في مهرجان جرش ليعمل مستشاراً لوزير الثقافة، ومديراً لمديرية الفنون
- فغادر العمل في الوظيفة الحكومية، عندما أحيل على التقاعد عام 1995، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتميز حظي خلالها بالمحبة والتقدير، واعتبر من رواد ومؤسسي المسرح العربي في أكثر من بلد عربي، فلقد قدم إبداعاً فريداً استحق عليه جائزة الدولة التقديرية في الفنون، وعندما أقيمت الدورة الأولى لمهرجان المسرح الأردني، اختير ليكون رئيساً للجنة العليا عام 1991م، وقد كان فناناً شاملاً بكل ما للكلمة من معنى حيث أخرج ومثل وعزف الموسيقى، وغنى بصوت
- جميل، ولحن بعض الأغاني، حتى أنه عمل في مجال
- التقنيات الفنية، وقد قدم خلال مسيرته الفنية الطويلة مجموعة كبيرة من الأعمال المسرحية، منها الفخ مروحة الليدي وندرمير مركب بلا صياد البرجوازي النبيل، أفول القمر، عرس بلا عريس، وجه بملايين العيون طرية الآلام، مدينة بلا حدود، والكثير من الأعمال الأخرى، وقد كان له حضور مميز في المهرجانات العربية والمحلية، وشارك في عدد من الندوات والمؤتمرات المسرحية، وفي عام 2000م توفي عاشق المسرح هاني صنوبر، فخسرت الحركة الفنية المحلية والعربية مسرحيّاً كبيراً كان من جيل الرواد المؤسسين الأوائل والذين تركوا لنا منارة إبداعهم التي لا تنطفئ، فهاني صنوبر حاضراً بيننا أينما فتحت ستارة وهمس ممثل أمام جمهور ، فنحن ندين له بالكثير من ركائز تطور المسرح الأردني، وسيبقى أسمه محفوراً في الذاكرة مثل نقش لا يمحى.